مخاطر ومحاذير تحدق بملف الصحراء

نوفل البعمري

يعيش ملف الوحدة الوطنية لحظات دقيقة في مجلس الأمن بعد التطورات، التي عرفها ميدانيا في المنطقة العازلة بفعل خرق البوليساريو لاتفاق وقف إطلاق النار وتماديها في ذلك، وهو وضع شجعته الأمم المتحدة بسلبية تعاطيها مع هذه الخروقات، التي وصلت، حسب المناقشات الأخيرة للملف بمجلس الأمن، حد إطلاق أعيرة نارية تحذيرية من طرف مليشيات الجبهة على دورية تابعة للمينورسو، كانت تقوم بجولتها في المنطقة العازلة، ورغم ذلك لم تصدر الأمم المتحدة أي موقف ضاغط وقوي تجاه الجبهة، ولنتخيل لو كان المغرب هو من قام بهذا الفعل الخطير، هل كان سيكون نفس موقفها؟
وتثير مختلف التطورات المتسارعة تساؤلات جدية حول المخاطر التي يعرفها الملف، منها ما هو دولي وإقليمي.
فالمخاطر المتعلقة بالوضع الدولي أصبحت تثير إشكالات حول مدى إمكانية إسقاطها على ملف الصحراء بالأمم المتحدة، فحالة الانقسام الحاد في مجلس الأمن، خاصة بين الدول الدائمة العضوية (روسيا من جهة وأمريكا وفرنسا من جهة أخرى)، بعد الضربات على سوريا، تُظهِر كأن نظاما عالميا جديدا يتشكل بمعالم صراع حول مصالح اقتصادية في دول الجنوب وامتداداتها الوَلائية لهذا الطرف أو ذاك في ظل تكتلات دولية تحاول خلق مناطق نفوذ لها، هو وضع قد يثير تساؤلات حول مدى تأثر ملف الصحراء به في مجلس الأمن، إذ إن درجة التوتر الحالي تُصعِّب خلق جو توافقي إيجابي بين مختلف الأطراف ودول مجلس الأمن الخمس الدائمة العضوية.
المغرب تفطَّن لهذه العملية وكان ذكيا عندما أصدرت خارجيته بلاغا يقف ضد الضربات الأمريكية لسوريا، وفي الوقت نفسه ضد عمليات الجيش السوري التي قد تخلف ضحايا من المدنيين.
ويتطلب الوضع الدولي المعقد، الذي فرضته أجواء الصراع العسكري في سوريا وتزامنه مع مناقشة الملف في مجلس الأمن، نوعا من الحذر المغربي تجاهه وتجاه مختلف أطرافه الدولية. ويظل الحياد الإيجابي، مع الحفاظ على علاقاته القوية بمختلف شركائه، المخرج الدبلوماسي الطبيعي، حتى تمر سفينة ملف الصحراء من امتحان مجلس الأمن في أمان.
وعن تقرير غوتيريس، كنا سجلنا إيجابيته وواقعيته، خاصة في التشخيص والتوصيات التي طرحها الأمين العام للأمم المتحدة، ومع ذلك هناك نقط وجب الانتباه إليها قد تمر في غفلة منا، رغم أنها تظل من الحجج القانونية والسياسية التي سيرافع المغرب من أجلها في الأمم المتحدة ومختلف المؤسسات الدولية. فالتقرير أغفل الحديث عن اللاجئين وإحصائهم، الذي يظل من المطالب الآنية للمغرب وللأمم المتحدة في مختلف قرائن مجلس الأمن وتقارير الأمناء العامين السابقين، وهذا المعطى تم القفز عليه وتجاوزه من طرف معدي تقرير هذه السنة، ودون أن نثير نحوه أي نقاش سواء إعلاميا أو رسميا، لأن الجميع كان مركزا على ما يحدث في المنطقة العازلة وحالة التعبئة الوطنية التي عاشها المغرب رسميا وشعبيا في لحظة ملحمة وطنية بامتياز.
إلا أن ذلك يجب ألا تنسينا النقط التي تحققت بفعل تراكم وترافع مغربي قوي في الأمم المتحدة، والنقاش الحالي في مجلس الأمن مركز على المنطقة العازلة، وهذه الورقة يجب ألا نتركها تسقط من وثائق الأمم المتحدة ذات الصلة بالملف، لأنها واحدة من النقط القوية التي تحرج النظام الجزائري وتدينه أمام شعبه وأمام سكان المخيمات والعالم، ويجب ألا نتركها في زحمة التطورات تسقط من أجندة مجلس الأمن والأمم المتحدة.
وهناك نقطة أخرى تحتاج الانتباه إليها، لأنها قد تشكل، في حال مرورها بالشكل الذي مرت به في تقرير غوتيريس، نقطة تراجع في ملف الصحراء على المستوى الحقوقي. فقد دأبت مختلف تقارير الأمناء العامين في الثلاث سنوات الأخيرة، رغم حالة التجاذب القوي مع بان كي مون، على التطرق للمجلس الوطني لحقوق الإنسان كمؤسسة وطنية مستقلة معنية بالنهوض وحماية حقوق الإنسان في المغرب والمنطقة على الخصوص، باعتبارها الآلية الوطنية المستقلة المعنية بمراقبة حقوق الإنسان في المنطقة. وكان هذا الموقف والعمل الذي أنجز من طرف المجلس ولجانه بالجنوب المغربي واحدة من الأسباب التي جعلت الأمم المتحدة والمفوضية السامية لحقوق الإنسان تقتنعان بأهمية تفويت مهمة مراقبة حقوق الإنسان في المنطقة للمجلس، وشكل ضربة قاصمة للخصوم ولمطلبهم بتوسيع مهام المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الجنوب المغربي.
لكن التقرير صمت هذه المرة على هذه المؤسسة الوطنية، وتحدث بشكل عام عن ضرورة قيام آليات مستقلة لمراقبة حقوق الإنسان في المنطقة والمخيمات، وكأنه بذلك يساوي بين الوضع في المنطقتين ويطالبهما معا بإخضاعهما لآليات مستقلة، الأمر الذي لا يطابق الواقع، إذ كيف يوازي التقرير بين منطقة مفتوحة وفيها دينامية حقوقية كبيرة، ومنطقة مغلقة لا يعلم العالم ما يحدث بداخلها؟
وهنا تبرز بعض المخاطر الجدية، إذ إن صمت التقرير عن الآلية الوطنية المغربية، التي سبق أن اعترف بدورها، غير بريء، واذا مرت نفس العبارة إلى قرار مجلس الأمن سنكون أمام مخاطرة حقيقية، إذ ستفتح الباب أمام عودة مطلب توسيع مهمة المينورسو، وسيتم إحياؤها من جديد، وقد تقبل البوليساريو بآلية لمراقبة حقوق الإنسان في المخيمات، مقابل توسيع مهمة المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في “إقليم الصحراء الغربية”، لأنها تعلم أن ذلك مقدمة لنزع السيادة المغربية عن تلك المناطق وتسليمها للأمم المتحدة.
إنها بعض المخاطر، التي قد تحيط بملف الصحراء، وجب الانتباه إليها، مع تسارع الأحداث وقرب موعد نهاية أبريل.