سان بيترسبورغ.. تعلموا كيف تبتسمون بالروسية

أعيش رفقة أسرتي في مبنى مكون من 9 طوابق، في سان بترسبورغ، العاصمة الثقافية لروسيا، المدينة التي تشتهر بجمالها ولياليها البيضاء، بتاريخها وجامعاتها وقصورها !!
منذ عشرين سنة وانا أعيش هنا بين الروس، أعرف مزاجهم وتقاليدهم، جانبهم العنيف الشرس، حينما يدفعهم أحد إلى ذلك، والجانب الآخر المنفتح حينما يعجبون بالشخص ويقدرونه .
اليوم أدركت أنه في المبنى حيث أقطن، غالبا ما يتجاهلني الجيران حينما ألقي التحية!! يمرون بجانبي بوجوه حزينة، فأقول في نفسي بأنهم لم يسمعوني..ربما، أو على الأقل ذلك ما أتمناه.
إضافة الى ذلك، لا أذكر أبدا بأنني رأيت ابتسامة على وجوههم. أبدا! دائما تعلوهم هالة جدية، وعيونهم مثبتة نحو الأفق، حتى في المصعد !!
حينما أسأل أصدقائي الروس: لماذا لا تبتسمون أبدا؟ حتى عندما يبتسم لكم شخص ما، لماذا؟
يجيبون: ماذا تريد جاد ؟؟؟ تريد ابتسامة مثل تلك التي تعتلي وجوه نجوم هوليود ؟؟ ابتسامة غريبة ومزيفة.
ثم يسترسلون:”عندنا، ليست الابتسامة كناية عن التهذيب أو الاحترام، على عكس الغربيين الذين يشعرون بأنهم مجبرون على إظهار الابتسامة (وينتظرون بالمقابل ابتسامة أخرى!) ليبدو مهذبين ومتحضرين. وقد وصف الكثير من الكتاب الروس الابتسامة الأمريكية بأنها غريبة ومزيفة”.
الابتسامات هنا خاصة بالمعارف والأقرباء. في حين يبقى رد الفعل الطبيعي للروس على ابتسامة غريب هو: “هل نعرف بعضنا البعض؟”، أو يتحاشون التواصل بالأساس.
أما الرد على الابتسامة بابتسامة، أبدا!! مستحيل!! عندما تبتسم في وجه روسي، سيكون رد فعله التلقائي والطبيعي هو السعي لفهم سبب الابتسامة تلك، وإذا لم يجد سببا معقولا لهذه الابتسامة فإنه حينها سيعتبر الشخص المبتسم مجرد متملق مزيف.
الأمثلة كثيرة على ذلك،فمرة، كنت في حاجة إلى فكة، وفي يدي ورقة من فئة 5000 روبل، فطلبت من سيدة تعمل في متجر، لو تتفضل وتبدل لي الورقة بخمسة أوراق من فئة 1000 روبل، طلبت منها هذا بابتسامة مغربية عريضة. أخذت السيدة مني الورقة من فئة 5000، وهنا اقترب منها رئيسها، وتطلع في وجهي ثم خاطبها قائلا:
كوني حذرة، لا تثقي بابتسامته الجميلة تلك.. عندها تحققت السيدة من الورقة النقدية مرتين قبل ان تقبل بتبديلها.
يجب علينا أن لا ننسى أن السياسة الشمولية التي زرعها الشيوعيون بروسيا والتي دامت أزيد من 70 عاما (أي على مدى 3 أو 4 أجيال متتابعة) لم تساعد بشكل إيجابي في تغيير الأمور بالنسبة لعقلية الشعب الروسي. اليوم، للحصول على ابتسامة من الموظفين الروس، من الضروري أن تفرضها كقاعدة مهنية.
في العمل، يبدو الحصول على ابتسامة طبيعية من الآخر ضربا من ضروب المستحيل … أجد صعوبة بهذا الصدد وخصوصا في فترة الصباح!! وكثيرا ما يسألني الزملاء:
ما بك جاد؟ لماذا تبتسم ؟؟
إذا ابتسمت في وجه روسي فقد يرد عليك قائلا: “ما المضحك في كلامي؟ “أو” لا أرى شيئا مضحك فيما أقول.. “.
الروس لا يبتسمون إلا إذا كانوا مبتهجين حقا، أو إذا كانوا محاطين بأناس يحبونهم فعلا. ولكن بالضرورة يجب أن يكون وراء الابتسامة سبب حقيقي، لا مجال للتظاهر. حتى ان هناك مثلا روسيا يقول: “إن الضحك من دون سبب دليل على الغباء”.
الابتسامة الروسية لا يمكن إلا أن تكون صادقة، إنها تعبير صادق عن المزاج الجيد أو عن قبول الطرف الآخر.
إذا ابتسم في وجهكم غربي أو عربي، فهذا لا يعني بالضرورة شيئا، ولكن إذا تمكنتم من انتزاع ابتسامة من الروسي فهذا يعني أنه يتقبلكم وهذا كذلك تعبير صادق عن مزاجه الجيد!
ومع ابتسامته تلك، تتفتح الروح الروسية العظيمة، الروح التي تحب، وتعطي وخصوصا تلك التي تمنح دون مقابل.